وكالة مهر للأنباء - محمد هزيمة كاتب سياسي واستراتيجي: لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية قوة لا تُقهر كما كانت خلال العقود الماضية، تلك التي رسمت ملامح النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتوجهت إمبراطورية بعملتها الدولار وملحقاته لأكبر اقتصاد في العالم حتى اليوم، ورغم ذلك كله تقف على أبواب نهاية سوداء تشبه روما في آخر أيامها؛ دولة مثقلة بالديون أنهكتها حروب زعزعتها وانفلاشة غير محسوبة حتى تآكلت من الداخل واصطدمت بخارج لم يكن ضمن تقديراتها، وهي التي عاثت بالعالم استغلالاً وحروباً وعقوبات، تعيش آخر فصول هيمنتها بمرحلة تكتب نهاية أحاديتها القطبية ويشهد العالم أفول نجمها. وهذا ليس تحليلاً لمراكز أبحاث، بل حقيقة على الأرض والواقع؛ بدءاً من انهيار الداخل الذي تعيشه واشنطن، انهياراً مقنّعاً سياسياً واقتصادياً وتصدعاً مجتمعياً وانقلاباً على القيم التي طالما تغنت بها وخاضت الحروب بذريعتها، بالتوازي مع ارتفاع الدين العام الذي قارب واحداً وأربعين تريليون دولار، وترك تأثيراته على فائدة رهن العقار التي تعتبر ميزان استقرار العائلات في أميركا، التي تتكبد ما يفوق تريليون دولار فوائد للدين، ما يوازي ميزانية البنتاغون، على حساب الخدمات الاجتماعية والصحة. وانعكس هذا الانهيار سياسياً على شعبية ترامب التي انهارت إلى 37% وما دون، وهي الأدنى لرئيس قبل انتخابات نصفية منذ 1990، إضافة إلى نتائج استطلاع أشارت إلى أزمة داخلية، إذ إن 61% من الأمريكيين غير راضين، و65% يعتبرون الاقتصاد غير قوي بسبب سياسات ترامب، بينما 73% من الناخبين يعتقدون أن أمريكا تسير في الاتجاه الخاطئ، وهذا لم تبلغه أمريكا من قبل.
وكشفت الحرب الأخيرة على إيران هذا الواقع، إذ أسقطت عن أمريكا القيم التي سوّقت نفسها حامية لها، من الديمقراطية إلى الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام القانون الدولي. حرب غادرة أسقطت قناعها وكشفت حقيقة وجهها كأكبر منظمة إرهابية برأسماليتها الجشعة، تدير الحروب بخطوط إمدادها وتغطيتها سياسياً وعسكرياً، وصولاً إلى جريمة تبني فصائل إرهابية وإيصالها للحكم، كانت هي نفسها تضعها على لوائح الإرهاب ورفعتها خدمة لمصالحها بازدواجية قتلت ما تبقى من رصيدها الأخلاقي. أمام داخل قلق يعيش استقطاباً حاداً وصراعاً ناعماً بين مكونات مجتمع مركب: من يمين متطرف ويسار باهت ونخب وول ستريت بمواجهة فقراء، واقع فضحته أحداث الكابيتول وصعود خطاب الكراهية في مجتمع مفكك يعيش تحت تأثير إعلام وإبهار، يدفع ثمن مغامرة ترامب وضغط نتنياهو، من محطات الوقود إلى الوجبات السريعة ومن فقدان الوظائف وزج الجنود بحرب ليست حربهم، حسب نتائج استطلاع اعتبر 76% أنها ليست حربهم، دون أن يغيب عنا مشهد التظاهرات ضد الحرب وقبلة طلاب الجامعات داخل أمريكا.
فالفشل الأمريكي ليس داخلياً بل من الخارج، الذي كشف الداخل وعرّى ترامب أمام فشل متكامل عسكرياً وسياسياً، مع انكفاءة استراتيجية وهزائم متلاحقة من أفغانستان إلى العراق وأوكرانيا والبحر الأحمر ولبنان، وما بينها الحرب على إيران، وهي المعركة التي كسرت هيبة أمريكا وتحطمت لتشكل تحولاً استراتيجياً كرس فشل آلة واشنطن العسكرية في حسم أي معركة، بمئات القواعد العسكرية بقببها الحديدية ومحيطها الاستخباري المنتشرة حول العالم، خاصة في المنطقة الملتهبة في الخليج الفارسي، والتي شكلت منطلقاً للحرب على الجمهورية الإسلامية، وعجزت عن حماية مصالحها الاستعمارية، لما فيها قواعدها نفسها قبل حلفائها. كلفها ذلك انسحاباً مذلاً من أكثر من منطقة جغرافية، لتبدو خطوة تعلن بداية نهاية إمبراطورية العم سام التي عاشت السقوط الأخلاقي قبل فقدان القوة، بسقوط العقيدة القتالية للجيوش الأمريكية المبنية على تفوق جوي وضربات سريعة تكون القاضية، وهو نمط سقط في إيران أمام شعب التف حول قيادته وثورة شكلت حصانة للامة وقوات مسلحة درع للمنطقة باكملها الي واجهت حرب غادرة بدأت كعملية سريعة حولتها القوات الإيرانبة حرب استنزاف مفتوحة وتغيرت حدود المعركة وادواتها ونسقها فلا تفوق جوي حسم المعركة ولا ضربة قاضية حققت الهد. معركة بنيت على تقييمات خاطئة مصدرها إسرائيل جرت امريكا لحرب كتبت نهايتها وخرجت معها القواعد الخليجية من الخدمة وبحسب واشنطن بوست: "البنتاغون يدرس إغلاق بعض هذه القواعد نهائياً بعد أن أصبحت غير قابلة للدفاع أمام المسيرات والصواريخ الرخيصة".
وهذا كان سبب توتّر علاقة واشنطن بالخليج الفارسي المكشوف عسكرياً بعد أن تخلت واشنطن عن حكوماته الا ان حدود الجبهة واسعة متنوعة وجبهة البحر اثبتت انها من اهن أوراق القوة بنسق المواجهة الجديدة في حرب مع أمريكا الدولة العظمي التي بدات التحلل الكلي فهي لن تنهار على جبهة واحدة بل على كل الجبهات دفعة واحدة وأعظمها جبهة البحر الذي دخل سلاح وازن منذ الرابع من آذار نتيجة الحرب الغادرة على إيران والذي اعادت فيه طهران تنظيم عمل مضيق هرمز وفق مصلحة الشعب الايراني قرار انهارت معه حركة السفن ما انعكس ارتفاعاً في أسعار الطاقة بالتوازي مع دخول باب المندب كاملاً جزء من حزام جغرافي يمتد من غرب اسيا ويصل للمتوسط وباب الندب ورقة قوة عززت جبهة مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي وادخلت معها اسلحة جديدة ورقة القوة لم يتحدث عنها الإعلام حتى اليوم كابلات الإنترنت البحرية ل99% من الاتصالات الدولية التي تمر عبر هرمز وباب المندب وسيطرة إيران واليمن على هذين المضيقين لا تعني النفط فقط بل القدرة على خنق الاقتصاد الرقمي العالمي لما بعزز قوة إيران التفاوضية وحلفاؤها والذي فرضت فيه طهران شروطها من الأمم المتحدة لفتح المضيق متمسكة بثوابت أبعد من الجغرافيا:
- رفع الحصار البحري عن موانئها
- الإفراج عن أموالها المحجوزة
- وقف إطلاق النار على كل الجبهات بما فيها لبنان
الجمهوريه الاسلامية لم تقف وحدها بحرب كبرى برز دور روسيا والصين قوتين داعمتين سياسياً وعسكرياً {حسب وجهة نظر البعض من المحللين} فالصين تشتري النفط الإيراني تكسر الحصار وروسيا تزود طهران بمنظومات دفاع جوي متقدمة وتغطيها في مجلس الأمن ليولد عالم متعدد الأقطاب يتشكل بسرعة ومن قلب فشل اميركا وتخبط ترامب سقطت وظيفة إسرائيل كقاعدة لحماية المصالح الايتعمارية وإسرائيل التي كانت تُسوّق كحاملة طائرات أمريكية ثابتة انكشفت عسكرياً وسياسياً رئيس حكومتها ووزير دفاعها ملاحقان من المحكمة الجنائية الدولية ودول العالم تعترف بفلسطين والمحاكم الدولية تدينها فشل متكامل مع أمريكا ليدخل عانل تصدع حلفاء اميركا بعدما عجزت أمريكا عن إعادة مكانتها حتى مع حلفائها فالخلاف مع الحكومات الأوروبية تفاقم ووصل لمرحلة تصدع الناتو لعد أزمة جزيرة غرينلاند وصولا إلى الحرب الاقتصادية التي شنها ترامب على كندا والمكسيك وفرض رسوم جمركية والتخلي عن أمن الخليج الفارسي غي عالم لم يعد ينتظر إذن واشنطن مع صعود قوى جديد من الشرق تكاملت لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب بمواجهة غطرسة أمريكا التي دخلت مرحلة النهاية التي لن تختفي فيها كلياً لكنها لم تعد قادرة على قيادة العالم وكل ما تفعله اليوم أنها تقاتل بشراسة لمنع سقوطها وهي تلفظ أنفاس قوتها وتتدارك الفوضى التي يخلفها تراجع نفوذها كإمبراطورية تحكمت بالعالم سقطت عن عرش سيطرتها لتغرق بعدما غرقت بمياه مضيق هرمز وقفت عاجزة عن تأمين مبنى مكاتب وسط نيويورك.

تعليقك